محمد متولي الشعراوي

10391

تفسير الشعراوي

عبادتهم بحقٍّ لكان المعبودون دافعوا عن هؤلاء أمام الله ؛ لذلك أجاب عيسى عليه السلام : { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ } [ المائدة : 117 ] . أما الآخرون فقالوا : ما أضللناهم ، بل هم ضَلُّوا السبيل . وكلمة { عِبَادِي } [ الفرقان : 17 ] سبق أن قلنا إن ( عبد ) تُجمع على ( عباد ) و ( عبيد ) ، وعبد يعني أنه خاضع لأمر السيد ، وليس له تصرُّف من ذاته ، إنْ نظرتَ هذه النظرة فكل خَلْق الله عبيد ؛ لأن هناك أشياء لا يخرجون فيها عن مراد الله تعالى كميلاده على شكل خاص أو مرضه أو وفاته . لذلك نقول للذين أَلِفُوا مخالفة أوامر الله والتمرد عليه سبحانه : قد تتمردون على الإيمان به فتكفروا ، وقد تتمردون على الإيمان برسوله فتكذِّبوا ، وقد تتمردون على حُكْم من الأحكام فتخالفوه . إذن : لكم جَرْأة على المخالفة وإلْف للتمرد ، وما دام لك دُرْبة على ذلك ، فعليك أنْ تتمرد أيضاً عند المرض وتقول : لن أمرض وتتمرّد علىلموت فلا تموت ، لكن هيهات ، فهذه مسائل ، الكل فيها عبيد لله مقهورون لإرادته سبحانه ، المؤمن والكافر ، والطائع والعاصي . وهناك أمور أخرى جعلها الله بالاختيار ، فالذين سبقتْ لهم من الله الحسنى ، وأُلْهموا التوفيق يتنازلون عن اختيارهم لاختيار ربهم ومراده ، فيكونون عبيداً لله في كل الأمور القهريات وغير القهريات ، وهؤلاء هم الذين يستحقون أن يكونوا عباداً لله . فالعباد إذن يشتركون مع العبيد في القهريات ، ويتميزون عنهم بتنازلهم عن مرادهم لمراد ربهم ، وعن اختيارهم لاختياره عَزَّ وجلَّ ؛ لذلك سمّاهم عباداً ، كما جاء في قوله سبحانة :